[أحدث الأخبار][6]

اشغال الندوة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
الحزب الشيوعي الفرنسي
الحزب اليساري الألماني
الشيوعي اللبناني
بوديموس
حزب العمال التونسي
حزب العمل البلجيكي
حزب الوطد

بعدنا مع رابعة - قصيدة لسهى بشارة من مهدي منصور


?? اسم الكتاب : مقاومة. ?? المؤلف سهى بشارة ( السجينة البطلة اللبنانية التى أطلقت النار على أنطوان لحد زعيم جيش الجنوب اللبناني في محاولة لاغتياله ) ?? الناشر دار الساقي ?? الطبعة الأولى عام 2000م هذا الكتاب ليس سجلا لحياة البطلة اللبنانية سهى بشارة فقط بل هو سجل لتاريخ المقاومة اللبنانية التى شاركت سهى بشارة في صنع جزء منه. وقد انتهت المقاومة بنصر كبير في شهر مايو من عام 2000م على الجيش الإسرائيلي وإخراجه من لبنان، وهذا النصر كان بداية تمزيق الصورة التى رسمها الجيش الإسرائيلي أمام العرب بأنه الجيش الذي لا يهزم. وفى هذا الكتاب سرد لحياة هذه المناضلة من بداية حياتها ونشأتها في الجنوب اللبناني في قريتها دير ميماس ومشاهدتها للنوازل التى لحقت بلبنان من الجنوب إلى العاصمة بيروت. ومن الملفت للانتباه أنها ولدت في اليوم الذي وضعت فيه حرب يونيه عام 1967 أوزارها فكان تاريخ ميلادها في 15 61976م أي أن حياتها بدأت ببداية المنحنى الجديد للصراع الطويل المرير بين العرب جميعهم وإسرائيل. والسيدة سهى بشارة هي ابنة رجل منشغل بالسياسة والأحزاب وله اهتمامات ونشاطات سياسية، وكان أبوها يرى في وجود إسرائيل غرسة غربية رأسمالية، زرعت في قلب العالم العربي لتخلق له الصراعات والقلاقل. وفي السنة السادسة من عمرها تصبح سهى شاهدة على بداية الحرب في لبنان وتسمع وتشاهد الطائرات الإسرائيلية وهي تغير على المواقع الفلسطينية المجاورة لهم، وتستمر حياتها في هذا الجو المشحون بالطائرات الإسرائيلية المهاجمة والقنابل المتفجرة والشاحنات المملوءة باللاجئين والفارين، وفي التاسعة من عمرها كانت الشاهد على ولادة الحرب الأهلية اللبنانية، وهي تؤرخ هذا بدقة لانها كانت أحد الذين عاشوا تلك الليلة التى تناحر فيها الفلسطينيون واللبنانيون بفئاتهم بين مناصر ومعارض للفلسطينيين، وكان الإسرائيليون الطرف الثالث في هذه الحرب ضد الطرفين، وهى تضع تاريخا دقيقا لذلك اليوم وهو 134 1975م حيث أجبرتها الانفجارات القوية والقريبة هي وعائلتها إلى اللجوء إلى منزل الجيران، لوجود غرفة آمنة محصورة بين غرف عديدة مما يعطيها مناعة أفضل من وصول الصواريخ الغير معروفة المنشأ والمرسلة إلى السكان. وتقول سهى إن والدها كان يطمئنها أن هذا الوضع لن يستمر، فالحرب قصيرة المدى، ولم يكن ليعلم أن تلك الحرب وتلك الشرارة استمرت مشتعلة خمسة عشر عاما وسميت بالحرب الأهلية اللبنانية، تشرد فيها مئات الآلاف من اللبنانيين وهربوا وتركوا بلادهم وديارهم بحثا عن مأوى من الإسرائيليين أولا ثم من بني قومهم لا حقا وكانت هي وأهلها من هؤلاء المهاجرين.. وعاشت في بيروت كما فعل غيرها وفي هذه المعارك والظروف كان لكل إنسان عمل لا ليكتسب منه الرزق فقط ولكن ليكتسب منه محاولة البقاء حيا، فانتسبت سهى إلى اتحاد الشباب الديمقراطي وانخرطت في الدفاع المدني الذي كان للصليب والهلال الأحمر اللبناني الفضل في تنظيمه. وبدأت في تضميد الجرحى وغسل الثياب والسهر على المرضى.. ومنها تعرفت على أعمال المقاومة وتنظيماتهم وتعارضاتهم وتناقضاتهم أيضا، وتعلمت استخدام اللاسلكي واندمجت في الجو المشحون بالنار والقتل. واقتنعت بالمقاومة وآمنت بها وتطورت مهماتها في المقاومة، انتقلت للجنوب للبقاء في قريتها، فلها الأهل والأصل هناك وكانت مكلفة بنقل المعلومات إلى بيروت والاتصالات مع اللبنانيين من المنطقة المحتلة والتعرف على أعضاء المخابرات التابعة لجيش لحد لتكون عينا للمقاومة هناك، وحاولت أن تبدوا الفتاة الجميلة البسيطة البريئة غير المبالية بالسياسة ولا أهلها. وعند عودتها إلى قريتها ساءها ما كانت ترى من التغير الاجتماعي في بلدها المحتل، إذا أن الأعياد أصبحت يوم السبت تمشيا مع الرغبة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي وأصبح الذين يعملون مع الإسرائيليين أكثر نجاحا في حياتهم عملا ومالا، وكانت ترى أن العاملات اللواتي يعملن مع الاحتلال وجنوده يتمتعن بميزات عديدة وبدخل مالي كبير مما يشجع الآخرين للانضمام إليهن والعمل مع الجيش الإسرائيلي متعاونا ومؤيدا للاحتلال. وفي هذه الظروف كانت ترى ثلاثة أعداء يجب التعامل معهم وهم رجال الأمن في جيش لبنان الجنوبي والإسرائيليون، وكان اهتمامها الثالث هو أنطوان لحد شخصيا وهو القائد الأعلى للمليشيا اللبنانية الموالية لإسرائيل. وركزت جهودها على أنطوان لحد فانتقلت إلى مرجعيون حيث يقيم هذا القائد المدعوم من إسرائيل، وسنحت لها الفرصة لتعمل في النادي الثقافي الرياضي في مرجعيون، ومن محاسن الصدف كان هذا النادي يبحث عن مدرسة رياضة بدنية لزوجة القائد العام والذي رأى في سهي بشارة مدرسة نموذجية ومناسبة تماما للعمل كمدربة رياضية لزوجة قائد جيش لبنان، وهنا التقطت سهى بشارة الفكرة وأكدت لمدير النادي معرفتها بهذا النوع من الرياضة. ومن هذا الباب دخلت إلى بيت أنطوان لحد الذي كان في حماية حرسه ومخابراته ومخابرات الإسرائيليين وكان عليها الاحتراس الشديد وكانت تعلم أنها تحت المراقبة غير المتقطعة ونجحت في التخفي والاندماج في الوقت نفسه.. وتواصل سهي قصتها الجميلة والمتسارعة الأحداث منتظرة الفرصة المناسبة حتى تطلق النار عليه وكان ذلك بعد أشهر من التخطيط وتم ذلك في منزله وهو يتحدث إليها وجها لوجه. كلنا يعرف ما نالها بعد ذلك من عقاب وسجن وتعذيب لا يمكن وصفه أو حتى تخيله فالآلام الجسدية والنفسية صعب وصفها، وقد تحملتها هذه الفتاة المسكينة تضحية منها لبلدها وللامة العربية حيث إن هذه العملية إحدى العمليات الكبيرة التى ساهمت في إحساس الجميع أن هؤلاء الخونة ليسوا بمنأى عن العقاب والمتابعة.. وأن ما تصفه عن معتقل الخيام الذي تحطم وأخرج نزلاؤه يوم النصر في الجنوب هو فصل يستحق النشر والاطلاع على تفاصيل الحياة فيه كما وصفتها إحدى النزيلات التى عاشت فيه فترة قاسية، ونحن نقدمها للقراء لمعرفة الحقائق كما قالتها وعاشتها المناضلة سهى بشارة : معتقل الخيام أنشئ معتقل الخيام، في العام 1985 ، في مكان كان سابقا معسكرا قديما لقوات الانتداب الفرنسية، وذلك ليكون بديلا عن معتقلي أنصار وأنصار، اللذين أخلاهما الإسرائيليون بعد انسحابهم الجزئي من لبنان، لسنوات ثلاث خلت . ويقوم معتقل الخيام على مرتفع شامخ واستراتيجي هو لصالح المنطقة المحتلة، وبعيدا عن ساحات المعارك ،وقريبا من إسرائيل ، في حين أن الطرق إليه كثيرة الوعورة. أما المعتقل فقد عهد به الإسرائيليون رسميا إلى جيش لبنان الجنوبي، حتى لو كانوا أول من أداره مباشرة لدى إنشائه ، ناقلين مسؤوليات الاستجواب وغيرها من المهمات، وفي وتيرة متدرجة ،إلى مرتزقة لبنانيين. وكان الشين بت ، الجهاز الموكل بالأمن الداخلي في إسرائيل يلاحق كل ملفات المعتقلين فيه ، وكان عملاؤه يترددون على السجن ليطلعوا على المستجدات فيه . وكانت منشآت هذا المعتقل ، المنتصبة على مرتفع مطل على بلدة الخيام التي يعود لها فضل تسميته، تضم فيها الأبنية ما ينبئ بظلاميتها وانعدام الرحمة فيها: قاعات للاستجواب ومجموعتان من الزنازين الجماعية التي غالبا ما تجدها مكتظة بالنزلاء، إحداها مخصوصة بالرجال والأخرى بالنساء. وفيها كذلك بعض المساكن للحراس ، التي من شأنها (المساكن) أن تكمل بنيان هذه المنشآت. وبالإضافة إلى كون المعتقل محاطا بالمراقب، فقد أحيط بحقول من الألغام من كل ناحية ، حتى ليغدو الفرار منه أمرا بالغ الصعوبة، بل مستحيلا. ويوم نزلت فيه عام 1988، بعيد العملية ، كان صيته قد ذاع، بلا منتهى. وبالطبع، ظلت الدولة العبرية تنكر وجوده، كما أنكر جيش لبنان الجنوبي معرفته به مرارا. غير أن المعتقلين الذين كانت الميليشيات الحليفة لإسرائيل تطلقهم، بين الحين والآخر، أخذوا يصفون ذلك المعتقل ويمعنون في وصف ظروف الحياة فيه، أو بالأحرى صراع البقاء الذي ساد في داخله، حتى لو كانت هذه الميليشيات تنصحهم بعدم الكلام عن ذلك النعيم ! وكانت نتف المعلومات المستقاة من هنا وهناك، والتي اعتد بصدقيتها، قد نبهت المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان إلى وجود انتهاكات مريعة في معتقل الخيام، فسارعت إلى تصنيفه في سجلات العار خاصتها، وفي المرتبة التي يستحقها. والحال، إن انتفاء أي وضع قانوني من المنطقة المحتلة، والذي يتعارض مع توجهات الأمم المتحدة ، كان يحول على الدوام دون تحقيق مهمات الاستطلاع الإنسانية أو زيارات المنظمات غير الحكومية لمعتقل الخيام، من مثل المؤسسات الدولية. حتى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها لم يكن يؤذن لها برؤية المعتقلين في معتقل الخيام. كان ذلك المعتقل جحيما، إلا أنه جحيم انفرادي وسري. يلتهم المعتقل نمطين من الطرائد. ثمة في المقام الأول مقاتلو المقاومة الذين أسروا في المعركة، ثم الذين اكتشفهم جهاز الأمن في المقام الثاني. وبالنسبة لهؤلاء المكتشفين، والذين صرت في عدادهم، فإنهم متشابهون في مصيرهم ومسار معاناتهم. في أول الأمر يكون الاستجواب والتعذيب، ويليهما العزل، ولاحقا يترك السجين بلا محاكمة ولا عقوبة معلنة، لجلاديه، فيسومونه أشكال العذاب اعتباطيا، وبلا رحمة. والحق أن إسرائيل لم ترد أن تظهر مسؤولية عن هؤلاء المعتقلين المزعجين: ذلك أن قسما من الرأي الإسرائيلي ما كان ليرضى بمثل هذه الانتهاكات ضد الحق العام، في رعاية دولته. وللإثبات نسوق هذا المثل: فإذا كان ثمة لبنانيون معتقلون على الأرض الإسرائيلية، وكان الإسرائيليون احتفظوا بهم كرهائن، بغية أن يحصلوا بالمقابل على معلومات حول جنودهم المفقودين في العمليات، أو لغرض مأتمي، وهو الحصول على رفات وجثث جنودهم القتلى في المعارك، والتي حالت الموجهات العسكرية دون استردادها، رأيت عددا من الجمعيات الإنسانية ومن تجمعات المحامين الإسرائيليين أو الفلسطينيين يندفعون للنضال، بلا كلل، لفك أسر هؤلاء السجناء. بالمقابل، كان معتقل الخيام مثاليا لإسرائيل، ولمكاسبها منه. إذ لا وجود فيه لعدالة أو قضاء، ولا قضاة، ولا محامين. في معتقل الخيام، السجناء منكرون، ومحجوبون، بل تراهم محذوفين من عالم الأحياء وبسهولة تامة. ولكن جهاز الأمن ما كان ليكتفي باعتقال الذين يقاتلونهم. إنما وجدت المعتقل يغص بخلق لا يمتون بأي صلة إلي فرق الجنود غير النظاميين. نساء، وأطفال أو معمرون أو معمرات، أتي بهم من كل فج عميق، وأدخلوا إلي معتقل الخيام ليلقوا فيه شر المعاملات، و أعظم التهديدات وأفظع صنوف التعذيب والضغوط. وكل ما يهم جيش لبنان الجنوبي هو الحصول على معلومات عن تحركات لأقرباء هؤلاء الموقوفين أوالمقربين منهم ممن تحوم حولهم الشبهات، أو لدفعهم، بالابتزاز حينا والتهديد حينا آخر، للتعاون مع جهاز الأمن في المنطقة المحتلة. أما المدة التي يقضيها هؤلاء في معتقلهم فقسمة ونصيب. فلا أحد يعرف، ممن يدخل إلي معتقل الخيام إنه سيخرج منه بعد أسبوع، أو بعد سنوات كثيرة. فضلا عن ذلك، فإن خروج المرء من معتقل الخيام ليس بالأمر الأكيد. ولاسيما النساء السجينات. ذلك أن الحياة اليومية في معتل الخيام كفيلة بأن تتلف أعظم السجناء بنية. ويكمن هذا الأمر جزئيا في المناخ المحيط بالمعتقل. فلما كان الأخير يقوم جنوب بيروت، وفي مرتفع من جبال حرمون اللبنانية، وجدته خانقا في الصيف وجليديا في الشتاء. أما الأبنية، شأنها في كل البلدان ذات المناخ الحار، فليست معدة لمجابهة البرد على الإطلاق. وليس في الزنازين مياه جارية، إنما حرمان النزلاء فيها من كل شيء هو المبدأ. والمعتقلات يملكن أغطية و فرشا عتيقة محشوة بالإسفنج لينمن عليها. أما البطانيات فكانت نادرة، وفوق ذلك فقد رأيت المعتقلات المبنية على أسوأ هيئة تحيل أرضها بؤرة للأمراض والعلل. فالرطوبة، إذ تخرج من الأرض، وتنسل بين ثنايا الفرش عبر التكاثف، تنخر عظام السجينات نخرا وتجمدها. بالإضافة إلى فرش القش وأنابيب الحديد لنقل الماء، كانت السجينات يتبادلن دلوا من البلاستيك لوضع البراز فيها، وأحيانا يكون هذا الأخير بلا غطاء. وكانت هذه الدلاء تفرغ مرتين يوميا، في عز البرد وفي قيظ الصيف، على حد سواء. والواقع أن هذا الدلو هو بمثابة وعاء من بين أوعية كثيرة هيئت بالأساس، لتكون صفائح يخزن فيها الزيت للمطبخ. بالطبع، كانت النساء محرومات من العناية بأنفسهن في الحدود الدنيا. إذ توجب عليهن، مثلا، أن يضعن لأنفسهن فوطا صحية من خرق أثوابهن، ويغسلنها باستمرار ويعدن غسلها مرات ومرات. إيقاع الحياة ثابت في معتقل الخيام. توقظ السجينات فجرا ويتناولن فطورا بسيطا للغاية. ويكون عليهن أن ينظفن الزنزانة حيث هن، ثم يتناوبن في الخروج كل بدورها لإفراغ الدلو، وفي الاستحمام داخل غرفة ضيقة أعدت لهذا الغرض، وتعود بعد أن تملأ صحيفة المياه المخصوصة بهن. وكانت أوقات خروجهن من الزنزانة محسوبة حسابا شبه عسكري، ومحددة بخمس دقائق، ليس إلا. ومن تتأخر منهن تنال عقوبة شديدة. وعند الظهر، يحل غداء ضئيل إلى الزنازين. وفي منتصف العصر، تقدم بعض الأطعمة. إذ كانت آونات النهار الثلاث هذه وحدها تمنح المعتقل حيوية لافتة. أما بقية الوقت فكان الصمت هو القاعدة، ومن يجرؤ على الصياح ينل عقابه. وكذلك فإن السعال ممنوع. وعليه كان للسجينات أن يتحدثن بصوت خافت، داخل الزنزانة نفسها، إلا أن تبادل الأحاديث مع النساء في زنازين أخرى ممنوع، لدوافع أمنية. وكانت السجينات، في زنازينهن، محرومات من أي اتصال بالخارج. والزيارات إليهن كانت ممنوعة. أيضا، حتى ولو عزم القيام بها عائلاتهن المقيمة في نواحي الخيام، وعلى بعد كيلومترات قليلة منها. إذا، لا شيء بوسعه أن يبدل هذا الوضع اليومي البائس الذي بتن يعشنه. وسواء أكن اعتقلن في خلال عملية للمقاومة أو أخذن من أسرتهن عنوة، فأن السجينات جميعهن في الهم سواء. فالثياب التي كن يرتدينها قبيل الاعتقال ظلت مقتنياتهن الوحيدة. ويرحن يغسلنها ويخطن فيها، ألف مرة ومرة، يعرنها لرفيقات بائسات ويستبدلنها بأخرى، حتى تصير هذه الثياب، آخر المطاف، خرقا بالية. نظريا لم يكن مخزون البناطلين، وأثواب البحر والفساتين ليغذى إلا بمناسبة الاعتقالات الجديدة والواسعة. ولحسن الحظ، كان يمكن لعائلات المعتقلات من المنطقة المحتلة، أن تدخل الأثواب إلى بناتها بالحيلة وبالرشاوى تقدمها للحارسات. وصار من العرف أن تترك السجينات، اللواتي يصدر أمر بإخراجهن من المعتقل، لرفيقاتهن الباقيات، أملاكهن المنقولة الأكثر متانة ومقاومة للزمن. وكان من شأن الطعام الهزيل وانعدام الراحة الذي تتميز به الزنازين أن ساهما في تنامي الأمراض داخل أجساد أنهكها الاستجواب وهدتها عمليات التعذيب المتواصلة والمكثفة. والمعتقل الذي كان يؤوي أكثر من مئتي سجين أحيانا، رجالا ونساء، وجد فيه ممرضان اثنان، وغالبا ما تواجد فيه ممرض واحد فحسب. أما المهارات والأدوات التي كان عليها جسم التمريض هذا فكانت محدودة للغاية. وكان أجدى بالسجين ألا يقع مريضا في معتقل الخيام، ذلك أنه من العسير للغاية أن ينال المريض الأذن من سلطات المخيم بالإخلاء إلى المستشفى الأقرب، القائم في مرجعيون. كما يحسن بالمرء، أيضا، ألا يتذمر أو يتمرد على الأنظمة، لأن أعمال الانتقام في حقه تعاجله، ليكون عبرة لمن اعتبر، فإذا نصيب المتمردين والمتمردات الضرب واللكم الشديدان وإيداعهم (أو إيداعهن) في الحبس الانفرادي مددا متفاوتة. حين يصل الرجال إلى معتقل الخيام، يتلقى كل منهم لبسا رسميا واحدا باللون الأزرق، ويكون من القماش ذاته، الذي يخاط منه غطاء الرأس الذي يضعه السجناء حين يخرجون من السجن. أما ظروف حياة هؤلاء فهي أشد قساوة من ظروف النساء، لأسباب عديدة وأهمها ازدحام زنازينهم بالسجناء واستخدام الحراس عندهم للقسوة! استخداما مفرطا. ومن أهم الأسباب كذلك، استخدام الحبس الانفرادي في حق الرجال، على نحو شائع لديهم. فإذا ما عوقبت امرأة بالحبس الانفرادي، وضعت في ما يشبه العلبة ذات الخمسة والثمانين سنتيمترا عرضا، والمترين والخمسين ارتفاعا، وتظل قادرة فيها على الحراك. أما الحبس الانفرادي للرجال فهو مثابة كابوس حقيقي: إذ لا يعدو الحبس كونه مكعبا، لا يتجاوز كل جانب فيه التسعين سنتيمترا، وقد أعد في جانب منه ثقب صغير. والسجين الذي يوضع في حبس كهذا ، غائرا في الأرض، منطويا على نفسه، مكوما على ذاته، يدرك أنه لن يسعه القيام، بالتأكيد، ولا الحراك إلا لتناول طعامه. ويحدث أن يرفعه جلادوه، إلى حين، لكي يغتسل، وبسرعة قياسية، ليعود إلى مخبئه. وفي هذه الظروف الموصوفة، رأيت سجناء أقاموا في حبسهم الانفرادي، وفي حياة ظليلة أو يكاد، أشهرا بطولها وهم يحملون في أجسامهم عقابيل أمراضهم، وآلاما مبرحة في العظام، أو اضطرابات في رؤيتهم. حتى أن أحدهم صمد حيال هذه المعاملة غير الإنسانية سنة ونصف السنة. وتتويجا لهذا كله، كان التضامن الذي يفترض به أن يعم السجناء كلهم على نحو طبيعي، موضعا للشبهة على الدوام. وحالما تعتقل امرأة، تخضع للاستجواب، ثم ترسل إلى الحبس الانفرادي، كلما انقضت جلسة استجواب وتعذيب. غير أنها نادرا ما تكون وحدها، ذلك أن رفيقاتها في السجن يكن مدفوعات من قبل جيش لبنان الجنوبي، الذي يؤملهن باختصار سجنهن، شرط أن ينقلن لرجاله بأمانة الأحاديث التي تسر بها الوافدة الجديدة إليهن. في هذا الشأن، كان قائدي في المقاومة أحمد قد حذرني مسبقا من هؤلاء السجينات اللواتي يبدين تعاطفهن الكلي معي، ويظهرن تفهما مبالغا لأمري، في حين يكن كامنات لي، ليغتنمن فرصة كبوتي وإرهاقي المتراكم بعد ساعات وساعات من سوء المعاملة والتعنيف، لينتزعن مني، وعلى حين غفلة، المعلومات التي استبسلت لإبقائها طي الصدر. ثم إن هذه الخراف السوداء، المندسات في الزنازين، كن يتحن، لسلطات السجن، الكشف عن الحيل والمهارات التي قد تلجأ إليها السجينات للتملص من الإجراء المفروض، أو للالتفاف على الحبس الانفرادي. وعليه، فقد توجب على كل سجينة أن تضبط نفسها وتراقب الأخريات. واقتضى من كل منا كذلك، التنبه إلى كلمة أو حركة غير متوقعة بين أي سجينة وحارسة. وأن تظهر كل أنواع التواطآت الحاصلة في أي زنزانة. ولا أظن الأمور لدى السجناء الرجال، أشفى حالا منه لدى النساء. غير أن الضغوط التي ما برحت تمارس على السجينات كانت تمس أمورهن الأكثر حميمة. ولطالما انطوت قاعات الاستجواب على أبشع أنواع المناورات. وقد روت لي إحداهن ذات يوم، قصة شابة اعتقلت من دون أي سبب خاص للغاية، فأغواها أحد مستجوبيها. إذ توصل إلى إقناعها بممارسة الجنس معه، موطنا نفسه على الزواج بها. فرضخت للأمر واقتنعت بصدقية الرجل، وبأن ذلك من شأنه تيسير تحريرها بلا شك. غير أنها سرعان ما اكتشفت أنها وقعت في الفخ الذي نصب لها، وأن بكارتها المفتضة إنما تجعلها عرضة لابتزاز متواصل، حتى في حال عودتها إلى كنف عائلتها. ثم إنها وجدت نفسها، فوق ذلك، عاجزة عن البوح لأحد بمسلكها المشين في نظرها. والحال أن معتقلات الخيام كن موضعا للتلاعب بهن بالمقدار نفسه الذي وجدن فيه أنفسهن فيه محرومات من أي معلومة تأتيهن من الخارج. ماذا يجري في لبنان وفي العالم؟ لا أحد يعرف شيئا عن الأمر. ولكم كان المعتقلون يدينون لحراسهم لإدلائهم بنتف من المعلومات المتبادلة معهم، على نحو لا إرادي، أو لنسخ نادرة أو لصفحات من الجرائد يمكن أن تختلس اختلاسا في مناسبة المناقلات في السجن أو في الطريق إلى الاستجوابات أو الحمامات. ويحدث أيضا، أن يرمي المستجوبون معلومة في وجه ضحاياهم، إذا كانت تفيدهم حقا، من دون أن يتميزوا صحتها أو يتضح لهم أنها محض تلفيق. وهكذا، أمكن، لي أنا الموقوفة في أواخر العام 1988، الإطلاع على سقوط جدار برلين والاتحاد السوفياتي. إذ كان يسر أبو نبيل أن يطلعني على هذه المعلومات، ظانا أن ذلك من شأنه زعزعة قناعاتي و عقيدتي. وعبثا سعى. ولئن غدوت مقربة من الحزب الشيوعي اللبناني لأسباب لا تمت بصلة إلى العقيدة الماركسية، فإن هذا التداعي (في الاتحاد السوفياتي) الذي عاينت نذره قبل عملية أنطوان لحد، لم يكن ليقدم أو يؤخر في قناعاتي الراسخة. وبالمقابل تناهت إلي، وإن كان متأخرا قليلا، أخبار اندلاع حرب الخليج التي تلت ضم العراق للكويت في العام 1990، كما أنبئت الحرب الأهلية اللبنانية، وقد ختمت باتفاق الطائف، الذي ناقشه الأطراف اللبنانية في المملكة العربية السعودية. وكذلك الأمر علمت بانطلاق المفاوضات على المسار الإسرائيلي- الفلسطيني، والتي وضعت حدا نهائيا لانتفاضتي الحبيبة، إثر الاتفاقات المعقودة في أوسلو، من العام 1993. وفي ما يتجاوز جلسات التعذيب والإفراط في القسوة حيال السجناء، كان لمعتقل الخيام أن يشهد في تشرين الأول أكتوبر من العام 1989، أزمة بالغة الحدة، إذ عمت حالة من التمرد الحقيقي بين المعتقلين احتجاجا على ظروف الحياة القاسية التي يحيونها. وكانت شرارة التمرد الأولى انطلقت من زنازين الرجال، الذين مضوا يضربون الأبواب ضربا شديدا، ويطلقون صرخات موقعة مكبرين: الله أكبر! الله أكبر! . وإذ كان السجناء بلغوا حد اليأس من استجابة مطالبهم، رأيتهم كتلة واحدة في مواجهة جلاديهم. وفيما أخذت حركة الاحتجاج تتسع، تسارعت ردود المستجوبين والحراس وازدادت قسوتهم في قمع السجناء. وصودف مرور أبو نبيل في سجن النساء، وكان يقسو في ضرب إحداهن، وهي كفاح. وما أن انتهى حتى أشار إلى إحدى الحارسات بأخذها، فعمدت الأخيرة إلى سوقها من زنزانتها ورمتها في غرفة الحارسات، حتى انتهى المطاف إلى بيت الطاعة القائم في معزلها، وفي نفسها قدر من الخوف أكبر من الألم. ولما كانت رفيقاتها قد رفعن الصوت عاليا وأخذن يحتججن، شأن زملائهن، على هذه القسوة المستديمة، أصر أبونبيل عليها أن تطلب من المعتقلات الأخريات العودة إلى الصمت. فرفضت كفاح. وللحال انهال عليها بالضربات والصفعات واللكمات، حتى أشبعت منها. أما الرجال فقد دفعوا ثمن تمردهم أضعافا مضاعفة، وقد رميت القنابل المسيلة للدموع في زنازينهم المكتظة، وكان المخبرون الموجودون في السجون يرجون الحراس حتى يخرجوا الجرحى. ومضى السجناء يطالبون بالحديث مباشرة إلى الإسرائيليين. وبالفعل، لم يمض وقت كثير حتى وصل الإسرائيليون، غير أن القمع لم تخف حدته، إنما تعاظم حتى لا شفقة فيه ولا رحمة. أما المحرضون، أو الذين اعتبروا كذلك، فقد أخضعوا لجلسات تعذيب رهيبة. رجلان سقطا شهيدين في هذه الحركة. في إثر هذا التمرد، اتخذت سلطات المعتقل بعض الإجراءات لتحسين الوضع الحياتي فيه. فقد منحنا نحن السجينات، أكياسا إسرائيلية عتيقة للنوم ودلاء صحية، غير أن الرجال، الذين لم يتسن لهم أن يفرغوا دلاءهم هذه إلا مرة في الأسبوع، فكان مقدرا لهم أن يحيوا في النتانة المهينة. وفي السابع من أيلول سبتمبر عام 1992، شهد معتقل الخيام حادثا من نوع آخر. فقد مزق سكينة الليل دوي هائل قريبا من جدار السور المحيط بالمعتقل، فأخذ الهلع بنفوسنا وأوقظنا. ماذا يجري؟ وكانت غالبية المعتقلات، شأني، على يقين بأن مجموعة من المقاتلين تحاول أن تشق طريقها إلى المعتقل. أطلقت صفارات الإنذار. وكان الحراس يظنون للوهلة الأولى، أن في الأمر كلبا تائها في حقول الألغام المحيطة بالمبنى. وما لبثوا أن وجدوا رجلا جريحا، مشلول الحركة وسط المنطقة المحظورة على المشاة، بعد أن أطلقوا قنابل مضيئة على محيط المعتقل. وسمعت الممرض يحض الحارس على تقلد سلاحه. فأجابه الأخير بأنه لا يريد أن يموت دفاعا عن الإسرائيليين في هذا المكان. وعاود السكون معتقل الخيام قليلا قليلا. وظل جنود جيش لبنان الجنوبي مستمرين في مخابئهم، ينتظرون الإسرائيليين الذين قدموا إلى المكان، متأخرين ومدججين بالأسلحة. أمكنني أن أتعرف إلى صوت أحدهم وهو يستجوب الرجل. ولما اطمأن الإسرائيليون إلى أن الرجل الجريح معتقل في السجن، وقد حاول الفرار، قرروا إخراجه من حقل الألغام. واتضح، فيما بعد، أن الرجل بترت يده اليمنى واقتلعت إحدى عينيه، بانفجار لغم فيه. وكان الرجل مشاركا في عملية فرار قام بها برفقة ثلاثة من زملائه المعتقلين، بعد أن أفلحوا في خداع الحراس. وقد حالف الحظ زملاءه الثلاثة، الذين اجتازوا حقل الألغام بسلام. ورأيت الإسرائيليين يجهدون أنفسهم ويستقدمون الوسائل الآلية ليبلغوا إلى ذلك الرجل الجريح. فكانت في حوزتهم صفائح معدنية كبيرة يحاولون بها تمييز الألغام المضادة للأفراد، التي حشيت بها الأرض حشوا. وبعد جهود مضنية استمرت ساعتين متواصلتين، تمكن الإسرائيليون من اجتياز الأمتار السبعة الفاصلة بينهم وبينه. وما أن اقترب أحد الجنود الإسرائيليين ساعيا إلى نقله على حمالة، حتى علا صوت أبو نبيل الجاثم على أحد أسطح المعتقل، تتردد أصداؤه: إنتبه، ربما يكون مسلحا! فسارع الجندي، مذهولا، إلى تركه يسقط أرضا. غير أن شيئا من هذا القبيل لم يحدث، فأخلي الرجل إلى مستشفى مرجعيون. وفي هذه الأثناء، انطلق إسرائيليون وأفراد من جيش لحد آخرون في إثر الفارين. غير أنهم لم يجدوا لهم أثرا، على الرغم من العتاد والوسائل التي كانت بحوزتهم. ولما كان أحد الفارين الثلاثة قد أصيب أثناء عملية الفرار، فقد التمس من زميليه أن يتركوه أرضا لئلا يؤخرا فرارهما. وبهذا وحده تمكن الإسرائيليون من وضع يدهم على هذا الفار الجريح ولكنه سرعان ما فارق الحياة في المستشفى متأثرا بجراحه. أما المعتقلان الآخران اللذان واصلا ركضهما، فقد أمكنهما اجتياز المنطقة المحتلة. هذان كانا الفارين الوحيدين من المعتقل، مدة اعتقالي في معتقل الخيام. وردت سلطات المعتقل على عملية الفرار هذه بتشديدها إجراءات الأمن على الأبواب والنوافذ، فجهزت الأولى بقضبان إضافية، وبتقليص الخدمات الموكلة إلى السجناء إلى حدهما الأقصى، ولا سيما ما تعلق منها بأعمال الصيانة في السجن، ما دام أن الفارين اغتنموا فرصة قيامهم بهذه الأعمال لتحضير فرارهم. وصار الحراس يقومون، كل مساء، بتفتيش الزنازين تفتيشا دقيقا. وما زالت أصوات الضربات الموقعة على النوافذ التي راح السجناء يؤدونها يوميا، تضامنا مع زملائهم الفارين، ما زالت هذه الأصوات تتردد في مسمعي، إلى يومنا هذا.

الكاتب "نورالدين رياضي"

نور الدين رياضي مناضل نقابي وحقوقي طرد تعسفيا من عمله بالشركة المركزية للمشروبات الغازية "كوكا كولا" بتاريخ 14/05/2007 عقب المعركة النضالية التي خاضها العمال تحت لواء المكتب النقابي الذي كان رياضي كاتبه العام من أجل المطالب الإجتماعية والحريات النقابية والدفاع الحق المشروع للعمل النقابي.، كما يمكنكم متابعتي عبر المواقع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكري بِلعيد...سيرة مناضل بالدم والنار

  السيرة الذاتية للرفيق الشهيد شكري بلعيد ولد الرفيق الشهيد شكري بلعيد في 26نوفمبر 1964بجبل الجلود لعائلة عمالية كادحة .زاول دراسته با...

إبدء الكتابة للبحث ثم أنقر enter